فخر الدين الرازي
67
القضاء والقدر
المقتضى لذلك الترجح ، هو قدرة العبد . وفرضنا أن قدرة العبد حاصلة في ذلك الوقت . فعلى هذا التقدير ، كان المقتضى لترجحه حاصلا في ذلك الوقت . والجواب : إن هذا سوء فهم ، لما ذكرناه . وذلك لأنه تعالى يعلم في الأزل أن وجود الفلاني سيترجح على عدمه في الوقت الفلاني في لا يزال . ووقوع الترجيح ، وإن كان لا يحصل إلا في ذلك الوقت ، إلا أن المفهوم من قولنا : سيترجح : كان حاصلا في الأزل . فهذا المفهوم لما كان حاصلا في الأزل وجب أن يحصل له ما يقتضي حصوله . لكن المقتضي لحصوله ، ليس هو ذاته ، وإلا لكان واجب الحصول لذاته . ولا قدرة العبد ، ولا إرادته ، لأن كل ذلك معدوم . فوجب أن يكون المقتضي له : هو قدرة اللّه وإرادته . وذلك يقتضي أن يكون وقوع أفعال العباد بقدرة اللّه وإرادته . فإن لم تكن قدرة اللّه وإرادته ، يقتضيان ما هو المفهوم من قولنا : إن الفعل الفلاني سيترجح في الوقت الفلاني ، وليس له نقيض آخر . وجب أن لا يحصل هذا المفهوم . وإذا لم يحصل هذا المفهوم ، كان اعتقاد حصوله جهلا . فثبت : أن على هذا التقدير أنه تعالى لو لم يكن موجدا لأفعال العباد ولا لما يكون موجبا لأفعال العباد ، لامتنع كونه تعالى عالما بوقوعها في الأزل . ولما كان هذا باطلا ، ثبت أن الحق ما ذكرناه . واعلم : أن هذه النكتة إنما استنبطناها من مسألة حكمية . وهي : أن الجزم بوقوع الممكن ، لا يمكن إلا بواسطة العلم بعلّته وموجبه . وباللّه التوفيق البرهان السادس اعلم : أن هذا البرهان لا يمكن تقريره ، إلا بعد تقديم مقدمة في حقيقة المتناقضين . فنقول : إنهما القضيتان اللتان يجب لذاتهما أن تكون إحداهما صادقة ، والأخرى كاذبة . بعينه ، أو بغير عينه « 1 » . وتقريره : إنا إذا عينا الموضوع أمرا واحدا في نفسه ، وعينا المحمول أمرا واحدا في نفسه ، وعينا الوقت وقتا واحدا في نفسه . فإذا قلنا : ذلك المحمول ، ثبت لذلك الموضوع ، في ذلك الوقت . ثم قلنا : ذلك المحمول ، ما ثبت لذلك الموضوع ، في ذلك الوقت . والعقل قاطع بأنه لا بد في هذا الإيجاب ، وهذا السلب ، أن يكون أحدهما صادقا ، والآخر كاذبا . ثم قالوا : الصادق والكاذب معنيان في الواجب وفي الممتنع وفي الممكن الماضي والحاضر . أما في الواجب فكل ما هو في جانب الثبوت ، فهو الصادق . وكل ما هو في جانب السلب ، فهو الكاذب . وأما في الممتنع ، فبالضد . وأما في الممكن الماضي والحاضر ، فالذي لم يقع هو الكذب في نفسه .
--> ( 1 ) هذا التعريف للتناقض يشبه إلى حد بعيد تعريف ابن سينا له في الشفاء حيث يقول : « التناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب اختلافا يلزم عنه لذاته أن يكون أحدهما صادقا والاخر كاذبا بعينه أو بغير عينه » ( الشفاء المنطق - العبارة تحقيق محمود الخضيري ص 66 - 67 ) وفي منطق المشرقيين ( ص 128 ) .